رغم أنّ هذا الشرح بمُجمله ینطوی على تحقیق و تدقیق ببیان رقیق و دقیق و لکن تتألّق بعض فقراته و تبرز بشکل خاص من بین أجزاء الکتاب و أبوابه، و فیما یلی نکتفی بذکر أبرز تلک الفقرات:
قد عرفت أنّ الشیطان هنا عبارة عمّا سوى اللَّه، فاعلم أنّ الکفر بالشیطان هو اعتقاد أنّ العالم غیب ما ظهر قط، و إنّما الظاهر هو اللَّه فحسب، و هذا کفر مُحقّقی الصوفیّة حیث زعموا أنّه سبحانه ظهر بصورة کلّ شیء، فهذا الزاعم أخفى الشیء الذی هو السوی- أی: العالم- و هو الکفر بالشیطان. و لا تتوحش من ذلک فإنّه أعلى درجات بالنظر إلى قوم، و لکن (حسنات الأبرار سیّئات المقرّبین).
قال صاحب الفتوحات: إنَّ العالم غیب لم یظهر قطّ، و الحقّ هو الظاهر ما غاب قطّ، و الناس فی هذه المسألة على عکس الصواب فإنّهم یقولون: إنّ الحقّ تعالى غیب و العالم هو الظاهر فهم بهذا الاعتبار فی مقتضى هذا الشرک.
أقول: و قد غفل هذا العارف عن الشرک اللازم من زعمه، حیث حکم
بظهور الحقّ تعالى و خفاء العالم، و هو أیضاً من أنحاء الشرک الخفی.
و أمّا الإیمان الحقیقی فهو الاعتقاد بأنّ اللَّه هو الظاهر الباطن و الشاهد الغائب فهو الظاهر إذا طلبته فی البطون، و هو الباطن إذا تفحّصت عنه فی الظهور و هو المُنزّه عنهما إذا طلبته بکلیهما و أنّ العالم ظاهر باللَّه خفی بذاته، فتعرّف فإنّه باب عظیم للتوحید(1)
و قال الإمام رحمه اللَّه فی تعلیقته:
و لا یکون عن هذا الشرک خالصاً إلّا من یرى استهلاک جمیع الموجودات ذاتاً و صفة و شأناً فی الحقّ القیّوم، بل التوحید التام هو التحقّق بهذا المقام(2)
1) شرح حدیث رأس الجالوت: 66- 68.
2) انظر صفحة: 67 من هذا الکتاب.